إخوان الصفاء
317
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
وقانون لجميع شهوات النفوس المركوزة في جبلتها ، وان تلك الشهوات المركوزة في جبلتها أصول وقوانين لجميع أخلاقها وسجاياها ، وتلك الأخلاق أصول وقوانين لجميع أفعالها وصنائعها ومعارفها ومتصرّفاتها كما سنبيّن في هذه الفصول . وانما صارت هاتان الحالتان مركوزتين في جبلة كل الموجودات وجميع الكائنات ، من أجل أن الباري ، جلّ ثناؤه ، لما كان هو علّة الموجودات وسبب الكائنات ومبدعها ومخترعها وموجدها ومبقيها ومتمّمها ومكمّلها ومبلغها إلى أقصى مدى غاياتها وأفضل حالاتها ، وكان ، جلّ ثناؤه ، دائم البقاء لا يعرض له شيء من الفناء ، صار من أجل هذا في جبلة الموجودات محبّة البقاء وشهوته وكراهية الفناء وبغضه ، لأن في جبلة المعلول يوجد بعض صفات العلة دلالة دائمة عليها ، وانما لا يعرض للباري ، جلّ ثناؤه ، شيء من النقص والفناء ، من أجل انه علّة الوجود لذاته ، وبقاؤه من نفسه . وأما سائر الموجودات وجميع الكائنات فلوجودها أسباب وعلل ، ومتى عدم منها شيء أو نقص ، عرض لها الفناء والنقص والقصور عن البلوغ إلى الحال الأفضل والوجود الأكمل ، والمثال في ذلك النبات والحيوان ، فإنه متى عدم الغذاء الذي هو هيولى الأجساد ، ومادّة بقائها ، هلك وانفسد وتغيّر واضمحل . وهكذا حكم نفوسها متى بطلت هياكلها بطل شعورها وإحساسها ، ولم يمكنها إظهار أفعالها وتأثيراتها ، فتكون بتلك الحال النفوس موجودة ولكن على حال النقص ، كما أن تراب أجسادها يكون موجودا لكن على حال النقص . وقد يعلم بأوائل العقول بأن الوجود على الحال الأفضل ألذّ وأشرف وأفضل من الوجود على النّقص . وقد قالت الحكماء والفلاسفة بأن كل شيء يراد فهو من أجل الخير ، والخير يراد من أجل ذاته ، والخير المحض السعادة ، والسعادة تراد لنفسها لا لشيء آخر . وقد قلنا وبيّنّا في رسالة الايمان بأن السعادة نوعان دنيويّة وأخرويّة . فالسعادة الدّنيوية هي أن